عبد الملك الجويني
108
الشامل في أصول الدين
على أصول سبقت ، وذلك لأنا أوضحنا استحالة عدم القديم ، ولو تغير القديم لاقتضى ذلك عدم صفة ، وثبوت أخرى . ثم الصفة المعدومة تقديرا ، لو كانت حادثة ، للزم قبول القديم للحوادث ، وذلك محال . وسيأتي شرحه بعد إثبات الصانع . وإن كانت تلك الصفة قديمة ، فقد وضح الدليل على استحالة عدم القديم . وإن أوجزنا قلنا : القديم واجب وجوده ، وكما يجب وجوده ، تجب صفات وجوده ، وما يحيل زوال وجوده ، يحيل زوال صفات وجوده . فإن قال قائل : أليس الرب تعالى فعل بعد أن لم يفعل ، ثم لم يقتض ذلك تغيرا راجعا إلى ذاته ، فكذلك يثبت للنطفة صفات لم تكن ولا تقتضي تغيرها ؟ قلنا : الذي قلتموه باطل من أوجه : أقربها أن الصفات الطارئة على النطفة قامت بالنطفة ، وأدركناها على صفات ثم أدركناها على خلافها ، فاستيقنا اختلاف الصفات الراجعة إلى ذات النطفة . وإذا فعل الرب فعلا ( لم يقتض ذلك تغيرا راجعا إلى ذاته ، فيعلمه للذات عليه بعد أن لم يعلم موصوفه ، بل الذات لم تطرأ عليها صفات بالفعل ، إذ ثبت الفعل غير قائم بالذات . فإن قال قائل : أليس القادر منا لا يخلو عن فعل الشيء وتركه ، فإذا أثبتم القديم قادرا فقولوا : إنه لا يخلو عن فعل أو ترك لفعل ، وترك الفعل فعل ، فيلزم من ذلك إثبات حوادث في الأزل . قلنا : هذا تمويه لا محصول له ، فإن الواحد منا لم يجب اتصافه بالفعل وتركه من حيث كان قادرا ، بل إنما وجب ذلك من حيث تقوم المضادات المتعاقبة بذاته ، والقائم بالذات ، القابل للمتضادات ، لا يخلو عن جميعها ، سواء كان قادرا أو مضطرا . والقديم سبحانه وتعالى لا تقوم أفعاله بذاته ، بل يفعلها غير قائمة به ، فيحدثها متى شاء ، ولا يحدثها إذا لم يرد إحداثها . والذي يوضح ذلك : أنا لو صححنا من أنفسنا فعلا في غير محال ، وقدرنا بعض ما صار إليه بعض الإسلاميين في القول بالتولد ، لجاز أن يعري عنه وعن ضده من حيث لم يقم بنا ؛ فاندفع تمويههم من كل وجه . على أن أقصى ما قالوه الاستشهاد بالشاهد على الغائب من غير جامع بينهما ؛ وقد أوضحنا إبطاله . فصل مشتمل على ذكر القديم ومعناه ؛ والحادث وحقيقته فأما القديم فقد اختلفوا في معناه . فقال المتقدمون من مشايخنا : إن القديم هو الموجود الذي لا أول لوجوده .